الغزالي

98

إحياء علوم الدين

وبالجملة فإن النفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة ، فإذا حملت وعثاء السفر ، وصرفت عن مألوفاتها المعتادة ، وامتحنت بمشاق الغربة ، انكشفت غوائلها ، ووقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها وقد ذكرنا في كتاب العزلة فوائد المخالطة ، والسفر مخالطة ، مع زيادة اشتغال واحتمال مشاق وأما آيات الله في أرضه ، ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ، ففيها قطع متجاورات وفيها الجبال ، والبراري ، والبحار ، وأنواع الحيوان ، والنبات ، وما من شيء منها إلا وهو شاهد لله بالوحدانية ، ومسبح له بلسان ذلق لا يدركه إلا من ألقى السمع وهو شهيد ، وأما الجاحدون والغافلون والمغترون بلا مع السراب من زهرة الدنيا ، فإنهم لا يبصرون ، ولا يسمعون لأنهم عن السمع معزولون ، وعن آيات ربهم محجوبون * ( يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ) * « 1 » وما أريد بالسمع السمع الظاهر ، فإن الذين أريدوا به ما كانوا معزولين عنه ، وإنما أريد به السمع الباطن ، ولا يدرك بالسمع الظاهر إلا الأصوات ويشارك الإنسان فيه سائر الحيوانات ، فأما السمع الباطن فيدرك به لسان الحال الذي هو نطق وراء نطق المقال ، يشبه قول القائل حكاية لكلام الوتد والحائط ، قال الجدار للوتد : لم تشقني ؟ فقال : سل من يدقني ، ولم يتركني ورائي الحجر ورائي ، وما من ذرة في السماوات والأرض إلا ولها أنواع شاهدات لله تعالى بالوحدانية هي توحيدها ، وأنواع شاهدات لصانعها بالتقدس ، هي تسبيحها ، ولكن لا يفقهون تسبيحها ، لأنهم لم يسافروا من مضيق سمع الظاهر إلى فضاء سمع الباطن ، ومن ركاكة لسان المقال ، إلى فصاحة لسان الحال ، ولو قدر كل عاجز على مثل هذا السير ، لما كان سليمان عليه السلام مختصا بفهم منطق الطير ، ولما كان موسى عليه السلام مختصا بسماع كلام الله تعالى الذي يجب تقديسه عن مشابهة الحروف والأصوات ، ومن يسافر ليستقرئ هذه الشهادات من الأسطر المكتوبة ، بالخطوط الإلهية على صفحات الجمادات ، لم يطل سفره بالبدن ، بل يستقر في موضع ، ويفرغ قلبه للتمتع

--> « 1 » الروم :